سيجارة تتبع سيجارة، حتى الذبابة الوحيدة استكانت على الجدار... لا تنبس بحركة ... كل شيء هنا بلون الدخان.... حتى المرايا أملك الوحيد..! وهذه الذبابة لا أراها دائماً إلا على هذا الوضع. . كأنما أغشي عليها من الموت...
فكر أن ينفخها...
قال له:-
لو نفختها لما طارت ... وإذا كنت محظوظاً فإنها في أحسن الأحوال ستقع على الأرض.؟
- ما أتفه هذه الحياة؟
- هذا أكبر عيوبك وأصرحُها صوتاً، لا مكان لشيءٍ نسبي في منطقك ... تطلق الأحكام وتعممُ ماحييت ... ومن يدريك بعد فلعل ثمة من يعتقد أن عظمة الحياة لا تدانيها عظمة شيءٍ آخر...!
أحس برغبةٍ في تجاهله...
- سوف يجلدُني بمنطقه كما كلّ ليلة....
مر براحةِ يده على وجهه المجعد كأنه يدعك... تشبع أنفه برائحة مألوفة ولكنه أحس بما يشبه اللزوجة في يده فأبعدها..
هز رأسه إما موافقاً .. أو غير مبالٍ... ونفث وهو يلوي عنقه إلى الجدار ..
ارتفع أحد أجنحة الذبابة فمالت ولكنها لم تطر، أيضاً لم تقع ... خامره فضولٌ لمعرفة ما إذا كان جسمُها قد اقشعرَّ برداً، كان دائماً يشك في حرارة أنفاسه..!
قلب السيجارة وراح يتأملها ... برشاقةٍ أخذ يربت برأس سبابته على نارها .. بدا له لسع فحمتها هيناً،.. انساق متمادياً، ولكنه شعر بوخزةٍ تؤلم العظم، فسحب يده برعونةٍ استدرك فيما بعد أنها كانت غير لائقة..!
اندلق على رأس السيجارة المنقصف، التقطه قبل أن يتمكن من البساط الذي ضاعت معالمه..
داهمت أنفه رائحة قازة، تأمل يده بذهولٍ أعقبه شيء كالتذمر ... لأن ظفره الطويل المتسخ جداً قد احترق ...!
- أفّ .. كيف غرزته في النار بدون انتباه..؟ ها قد فقد اتساقه ...!
- ومتى كان متسقاً أيها المولود عجوزاً؟
طوحته المفاجأةُ القاسية إلى الوراء كمن انفجرت في وجهه نافورة ماءٍ بارد ... بيد أنه لم يخرج عن طوره .. إذ سرعان ما تهدَّل جسمه فأغمض عينيه ومضى يشخر...!!
انفتح الباب الذي يتوارى خلفه مخزون العالم من العتمة ...كان البهو فسيحاً أوشك المدعوون أن يلحقوا بعطره وهو يخطر على سجاد الممرِّ الأحمر...
كفّتِ الفرقة عن العزف وتوقف الراقصون بينما هو يقدم باقة وردٍ حمراء للعروسين ...!!
أشار بيده إلى العازفين، فصدح لحنٌ محببٌ إلى نفسه...
أما المدعوون .. فإنهم تحلقوا حوله لا ليرقصوا معه، ولكن ليندهشوا برقصته البديعة..!!
قالت فتاةٌ وهي تمسك شفتها السفلى بأصبعيها الرفيعتين:
- أي قناعةٍ بعد الليلة ... وقد صار كل قلبٍ أتْرُجَّة.
صاحب أكبر توكيلات الملابس في المدينة، ارتكن بإبطه على كتف أحد أصدقائه وهو يهمس:
- لم أر في حياتي آنق من هذا الرجل... أستطيع من خلال معرفتي الطويلة بتاريخ الموضات وأنواع القصات، أن أجزم بأن أبهة مثل هذه لم تُرَ من قبل..!
وعندما حانت رقصة العروسين تركت العروس عريسها... وأمام أعين الحاضرين المندهشة، ألقت بنفسها على صدره هو دون وعي... في نفس الوقت أحس الذكور الذين كانوا قبل قليل يتيهون ثقةً بفحولتهم، أن مراياهم قد تقعرت كثيراً، وأن ما بقي منهم شيء يبعث على السخرية والضحك...!!
أما هو فلم يكن مغروراً أو متعجرفاً، ولا خطر له الاستعراض على بال، وكان كل شيء فيه عفوياً طبيعياً... روعة ملبسه لا تختلف شأناً عن شبابه، أو انبلاجة وجهه البالغ الوسامة حين يبتسم.
وفجأةً بهت الجميع ما الذي أصابه. لقد توقف متشنج الوجه.. برماً....
رفع يده على غير هدىً كأنه يدفع بها شيئاً يلقيه بعيداً عن نفسه ... ولكن يده لم تنل من الناموسة مقتلاً، وبدلاً من ذلك ارتطمت بمسند الكرسي ارتطاماً موجعاً...!!
فمسح بياقة قميصه لعابه السائل على جانب فمه... وبعد أن أفرغ حسرته في تنهيدةٍ عميقةٍ، قدح الولاعة بإبهام أصبعه اليمنى وأشعل سيجارة جديدة.....
موقع سرد
www.srrd.com
[1] ابدعت
الكاتب : كدش 26/10/2009 م
زائر
ابدعت صراحه..
ياليت اخوي تسمحلي انقلها ..للمنتدى ثااني ..
اعجبني حسك الادبي..واتمنى انك توافق على طلبي..
[2] هكذا هو
الكاتب : احمد سليمان(شاعر) 30/10/2009 م
زائر
قد يفاجؤ علوان مهدي الجيلاني كثيرين غيري بإبداعه المتنوع شعر ودراسات وتوثيوقا للفنون الشفاهية واجتراحا للسرد هذا غير حضوره المتميز محركا للانشطة الثقافية ولكنه لا يفاجئوتي ان الذي اعرفه منذ اربعة وعشرين عاما ونحن في المدرسة وهو يقرأ ويعيرنا الكتب ويعلمنا كيف نقرأ
تحية من القلب صديقي
[3] تميز
الكاتب : ناصر عطيف 17/01/2010 م
زائر
كثيرا ما اقرأ للجيلاني ويعجبني اسلوبه المميز اتمنى اناقرا له الكثير هنا في المستقبل
[4] ط§ط³ظ„ظˆط¨ ط±ط§ط¦ط¹ ظˆط§ظ†طھ ط§ط±ظˆط¹
الكاتب : ظ…طظ…ط¯ط¹ط¨ط¯ط§ظ„ظ„ظ‡ طط³ظ† ط§ظ„ط¯ط§ظˆط¯ظٹ 08/03/2010 م
زائر