اسم المستخدم
كلمة المرور
تسجيل جديد

طباعة إرسال المقال لصديق
للكاتب: علوان مهدي الجيلاني
عبد الرحمن الأهدل...القارئ ليس مقروءاً

علوان مهدي الجيلاني

كتب عبد الرحمن الأهدل .. الشعر وكتب النقد الأدبي وقدم جهداً لا بأس به في توثيق الشعر الشفاهي -التهامي خاصة- ودراسته.. وكتب المقال السياسي والاجتماعي .. وقارب بعض الشخصيات اليمنية كل ذلك- إلى جانب نضاله ونشاطه السياسية والثقافية والاجتماعية- فعله بهدوء .. دون احتفاء لا منه ولا منا.

لم يقدم عبد الرحمن الأهدل – حد علمي شهادته على تجربته في الحياة أو في الإبداع .. وترك وهو الواعي بأهمية ذلك مناطق كثيرة .. في مسيرته تظل معتمة – رغم أنه كان في حياته الشخصية كما في حياته العامة معلناً لكل من عرفوه ...

ولأنه كان من أكثر الناس شباباً وفرحاً بالحياة.. فإن مسألة موته كانت بالنسبة لنا مستبعدة لا شيء يحذر من قربها . ولذلك .. وهذا ليس إلا واحداً من أسباب كثيرة لم نقترب منه.. أقصد من مسيرته الحياتية ومن إبداعه أيضاً .. كما يجب – حتى إذا أفأجنا رحيله وجدنا أنفسنا لكي نكتب عنه.. نحتاج للدخول إلى عالمه دخول غير العارفين هذا الدخول وإن أفاد لجهة مقاربته .. مقاربة لا تلتبس بقلبات قوية التأثير – إلا أنه افتقد إلى الكثير مما يؤنسنا به القرب القديم عادة خاصة والرجل لم ينشر من حصيلته الإبداعية والنقدية .. إلا الشيء اليسير .. فيما ظلت بقية كتابته .. حبيسة الأدراج أو تتناثر .. هنا وهناك على صفحات الصحف والمجلات...

* * *

ثمة قطع حاد .. أو انتقاله مدوخة عاشها عبد الرحمن الأهدل من حلقات دروس العلوم الدينية واللغوية ( التقليدية) في جامع المراوعة إلى دراسة المناهج الحديثة في جامعة صنعاء الناشئة آنذاك.

من ثقافة المناصب ومثافقات المنازل والمبارز وتقاليد التغيير بالمحبة والمخاطبة ب (باحبيب) إلى ثقافة الالتزام السياسي والتثقيف الحزبي .. ومفاهيم العنف الثوري.

من الثقافة القارّة .. المسالمة .. التي قد بيدو لمن لا يعرف أنها تتقوقع في الأسرة فيما هي على حقيقتها عابرة للقارات.

إلى ثقافة النضال الوطني بمفاهيمه المعاصرة وبأبعاده السياسية والثقافية التي تستلزم مواجهة الخصوم السياسيين.. وخوض معارك التجديد والتحديث لشتى مناحي منافي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأدبية.

من مرجعية وتجربة صوفية متسامحة مركزها في اليمن أسرته إلى مرجعية وتجربة صارمة وملتزمة ومغايرة لما هو سائد ليس في اليمن فحسب، بل على المستوى العربي عموماً – ومركزها هناك في موسكو وصديقاتها.

***

مع الأسف الشديد – خسر عبد الرحمن الأهدل الأديب، بل خسرنا – الكثير من مداد قلمه الذي ذهب بعيداً –ليس بعيداً جداً- عن الإبداع والنقد.. والكتابات الثقافية لصالح أربع ذرائع.

الأولى عندما استمرأ تحت ذريعة.. أو في رعب العمل السري النشر بأسماء مستعارة من أول السبعينيات حتى منتصف الثمانينيات.

الثانية: بعد أن انتقل إلى صنعاء .. وبدأ يكتب باسمه المعروف .. ولكن الكتابات المطلبية ظلت تسرقه.

الثالثة: انغماسه الشديد في العمل الوطني – نضالاً وتنظيماً وهموماً نقابية.

الرابعة: جنوحه في شق واسع من اشتغاله بالكتابة إلى الالتزام الذي اعترف هو بنفسه أنه كان صارماً بل وفجاً أحياناً- لقد كان الأدب مسيساً وكان التسيس في اليمن خاصة- حسب عبد الرحمن الأهدل – في أزهى عصوره وبمقدار ما دفعت الحياة اليمنية ثمناً باهضاً لصراعات الأنظمة والأحزاب التيارات السياسية أهدر عدد كبير من الأدباء ومداداً كثيراً.. وتم قسراً هدر الكثير من وقتهم مطاردين ومسجونين.

* * *

ينتمي عبد الرحمن الأهدل أديباً إلى مرحلة السبعينيات التي كان أهم ما يميزها يميناً معركة الجديد والقديم .... وهي معركة بررها سياسياً في الشمال وجود نظام جمهوري قام ليقود البلاد إلى التقدم .. وعلى رأسه قيادات تقليدية تحكم وفق آليات ومنهجيات تقليدية جداً وقد برر احتدام معركة القديم والجديد وجود قيادات تقدمية في الجنوب هي الأخرى على تحكم بنية اجتماعية تقليدية أيضاً.

وبمقدار ما كانت أعمدة القديم تتقوى بالقوى التقليدية الحاكمة .. كانت توالي دفعات خريجي الجامعات، وإنشاء جامعتي صنعاء وعدن روافد مهمة يتقوى بها دعاة لجديد والمشتاقون إليه.

وحين احتقنت الحناجر بأصواتها التائقة للإفصاح كان لا بد من إيجاد المنابر المناسبة فظهرت مجلات الحكمة، اليمن الجديد الثقافة الجديدة والكلمة.

صحيح أن تلك المعركة كان الملمح البارز فيها هو التنازع حول الأشكال الأدبية وضرورة تجديدها وتثوير ليس أشكالها فحسب بل مضامينها وقيمها أيضاً لأنها كانت تعني تجديد الحياة اليمنية برمتها ( كما يقول).

* * *

عبد الرحمن الأهدل مثله مثل معظم مبدعي ومثقفي السبيعينات كان يكتب ولكن طباعة ما يكتب وموالاة نشره.. وتوثيقه لم يكن جزءاً – من مشروعه في السبعينيات انشغل مثل أكثر أبناء جيله بالالتزام السياسي الحزبي.. فكانت المطاردات .. والملاحقات والمخاوف والسجن الناتجة عن ذلك الالتزام بمقدار ما تجعل النص الإبداعي حاراً.. ولغة المكتوب حادة .. إلا أنهت كانت بالضرورة .. أكثر ابتعاداً... بالكاتب عن التركيز والتأني والتمهل والتخطيط لمشاريع كتابية متبلورة ومكتملة هناك علاقة جدلية من التأثير المتبادل بين حياة الكاتب وإبداعه ولذلك قلت الإصدارات – التي يعللها هو بشحة إمكانات الأفراد وشحة إمكانات المؤسسات العامة – آنذاك

وإذا كانت تلك الأسباب قلة (إصدارات الأهدل وزملائه في السبعينيات وحتى في الثمانينيات) .. فإن صدمة ما بعد الوحدة .. أصابتهم بإحباطات كثيرة وانكسارات مروعة .. فقد كانوا يؤملون أن تعيد الوحدة الاعتبار للقيم النبيلة التي أهدرت في العقدين السابقين عليها.. ولكن الأمور ظلت تسوء فامتدت من موانع المطاردات والقهر والسجون في السبعينيات موانع .. الفتور والانكسار والإحباط في التسعينيات وما بعدها في السبعينيات كانوا يقهرون مادياً حد الإيذاء الجسدي بالحبس والتعذيب والموت – وفي التسعينيات صار الموت المعنوي أكثر حضوراً وفاعلية.

* * *

ومثل جيله أيضاً .. تمثل عبد الرحمن حسن في السبعينات المفاهيم النقدية والأيديولوجية التي كانت شائعة آنذاك، حيث كان النص الأدبي لا يكتسب جماليته إلا من دلالاته الاجتماعية وتقديمه رؤية مبدعة والأهداف الطبقية التي يتوخى الدفاع عنها وذلك على حساب البعد الفني والثراء الجمالي للنصوص .

أنا هنا لا أقصد الإدانة أو التقليل فهذا الكلام بنصه لعبد الرحمن الأهدل – الذي يضيف ومع ذلك فقد لعب ذلك المنهج دوراً كبيراً في تحديث المفاهيم والقيم يمنياً وعربياً إذا ما نظرنا إليه في إطاره الزمني آنذاك .

فهذا الفهم لم يكن سائداً على المستوى اليمني .. وحده بل كان اليمنيون يتلقونه مروجاً ومبشراً به في معظم الساحة العربية .. فقد تلازم شرطياً مع الزخم الثوري لحركة التحرير العربية في الستينيات وما بعدها وكان على قائمة المنتسبين له كما هو معروف أقلام عملاقه مثل محمود أمين العام، وعبد العظيم أنيس ، وعبد المحسن بد في مصر، وحسين مروة ومحمد دكروب ومهدي عامل ويمنى العيد في لبنان وأبو علي ياسين ونبيل سليمان في سوريا وغيرهم.

***

منذ نهاية التسعينات بذل عبد الرحمن الأهدل جهداً خارقاً في تطوير ثقافته وتطوير أدواته النقدية خصوصاً .. وغيرّ الكثير من مفاهيمه ولأنه لم يكن ممن يدعو لنفسه أو يكرسها أو يتحدث عنها كثيراً بل لأنه كان نجماً نقابياً وحياتياً لافتاً ولم يكن كذلك كاتباً فإننا لم ننتبه لتلك التغيرات والتبدلات في مفاهيمه وانشغالاته.

فمن إيمان راسخ في السبعينيات بالنقد الأيديولوجي الذي يكتسب فيه النص جماليته من دلالاته الاجتماعية وتقدمية رؤيته والأهداف الطبقية التي يتوفى البعد منها وذلك على حساب البعد الفني والثراء الجمالي..

صار يمارس نقداً غير مؤدلج ولكنه يستفيد من المناهج النقدية المختلفة يستفيد من البنيوية مثلاً اهتمامها بالجوانب التقنية والفنية وطرق تعاملها مع اللغة ولكنه يرى أن عزل النص عن محيطه ورفض انتمائه لكاتبه عيب مرفوض لأن النص إلى جانب خصائصه اللغوية والفنية التي تجعل منه عملاً إبداعياً فإنه مجدول أيضاً بالمقومات الحضارية والتاريخية التي شكلت ثقافة مبدعه، لم يعد النقد وسيلة لتوصيل صوت المبدع صار كشفاً إبداعياً وجمالياً للنصوص ومن الالتزام الصارم بالأيديولوجيا إلى مراعاة الضرورات التي يفرضها التطور التاريخي للحياة والجدل الاجتماعي والتعقيدات التي تنشأ عنهما وما ينعكس من ذلك على النص المبدع لأن الإبداع جزء من السياق الحياتي لا بد له من الاتساق مع ما يجري من تجديد في الحياة ..

لقد صار مقتنعاً بضرورة فتح أفقنا الروحي والحياتي على آخره واليقين.. فما يتعلق بالكتابة أن لكل محاولة لارتياد أفاق جديدة في عالم الإبداع تعطينا مؤشراً على حركة الحياة وتجديدها.

موقع سرد
www.srrd.com
التعليقات

اسمك الكريم
عنوان التعليق
نص التعليق
[1] إنصاف
25 الكاتب : أحمد الأهدل 06/11/2009 م
زائر

كم هو جميل الإنصاف أٍستاذ علوان مهدي الجيلاني لازلت أذكر تأثير ماسطرته في هذه المقالة الضافية يوم القيتها في حفل تأبين الراحل الكبير عبد الرحمن الأهدل بإتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بصنعاء وإنه لإنصاف من كاتب تميز دائما بالجدية لكاتب طالما أنصف زملاءه ولكن لم ينصفه أحد0


[2] تركيز
27 الكاتب : عطيف 17/01/2010 م
زائر

لقد دخلت هذا الموقع اليو م با الصدفة ولكني سعيد بهذه الصدفة
وبهذه الوجبة الدسمة التي قراته للجيلاني كتابة فيها تركيز ولغة رائعة


[3] ظƒظ… ط§ظ†طھ ط¬ظ…ظٹظ„ ظٹط§ط¹ظ„ظˆط§ظ†
48 الكاتب : ظ…ط­ظ…ط¯ط¹ط¨ط¯ط§ظ„ظ„ظ‡ ط­ط³ظ† 09/03/2010 م
زائر

ظƒظ… ط§ظ†طھ ط±ط§ط¦ط¹ ظٹط§ط¹ظ„ظˆط§ظ† ظپظٹ ظ„ط؛طھظƒ ظپظٹ ط§ط³ظ„ظˆط¨ظƒ ظپظٹ ط§طھظ‚ط§ظ†ظƒ ظ„ط§ط®طھظٹط§ط±ط§ظ„ظ…ظپط±ط¯ط© ط§ظ„طھظٹ طھظ„ط¨ظٹ ظ…ط§ظٹط³طھط¬ظٹط´ ظپظٹ ط¯ظˆط§ط®ظ„ظ†ط§ ظ…ظ† ظ…ط®ط§ط¶ ط§ظ„ظƒظ„ظ…ظ‡ ظˆط§ظپط±ط§ط²ط§طھ ط§ظ„ط§ط¨ط¯ط§ط¹ ظˆط¨ظˆط­ ط§ظ„ظ…ط¹ظ†ظٹ _ط´ظƒط±ط§ ظ„ظƒ ط§ط®ظٹ ط¹ظ„ظˆط§ظ† _ط§ط¨ظˆط§ط³ط§ظ…ط©


اجعلها الصفحة الأولى اتصل بنا أضفنا إلى المفضلة خلاصة المقالات خلاصة الشعر والنثر خلاصة القصص
26 رمضان 1431 هـ
05 سبتمبر 2010 م

الحقوق محفوظة لموقع سرد 2009 | srrd.com